بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى قد أَمَرَ الناس أن يستعملوا عقولهم لينظروا في الحق فيتبعوه، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون}[يس:62] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد}[سبأ:46] . وقد ذمّ الله تعالى الذين يعطلون عقولهم ويطمسونها

، كما قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُون}[الأنفال:22] ، خاصة إذا كان تعطيل العقل ناتجًا عن تقليد الآباء والكبار، ومنه طمس العقول بطاعة العلماء والأمراء في أمور تُدركها الفطرة أنهم قد أخطأوا فيها، فكيف إذا كان المتبوعون ليسوا من العلماء، بل هم من الوعّاظ أنصاف الفقهاء، أو من الفقهاء الخائفين من ضغوط الجماهير!! وقد قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: إنه من العيب والنقص لمن أُعْطِي شمعة فيطفؤها ثم يَمشي في ظُلمة غيره!!

 

لقد كان الصحابي الجليل المؤمن عمرو بن العاص رضي الله عنه من أذكياء العرب الذين تَزِنُ عقولهم بآلاف العقول، لكنه تأخّر إسلامه، فلما قيل له في ذلك، أجاب قائلا: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقَدُّم، وكانوا ممن توازي عقولهم الجبال، فلما بُعِث النبي  صلى الله عليه وسلم، فأنكروا عليه فَلُذْنا بهم (أي: قلّدناهم)، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبّرنا فإذا حقٌّ بَيِّنٌ، فوقع في قلبي الإسلام« اهـ.
لقد التقيَتُ عام 1411 هـ-1990م بفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى، فقال لي: إن مشكلة المسلمين -اليوم- هي من دعاتهم الذين يَخلطون الأمور!! ولقد صدق حفظه الله لأنه وافق رسول الله  صلى الله عليه وسلم الذي قال: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المُضِلِّين» رواه مسلم (2889). 

لقد ابتُلي المسلمون بعامّة –والسلفيون بخاصّة- منذ سنوات بأُناس جُرَءاء على الفتوى في الدِّماء والأعراض، وهم ما بين جاهل، ونصف فقيه، أو فقيه أكاديمي لا يستحضر –حين فتواه- مقاصد الشريعة الإسلامية، ولا فقه القوة والضعف، ولا فقه المآلات والنتائج، فتصدر منه فتاوى يقول الناس فيها: ما هذه؟ [انظرالتحذير من ذلك في كلام معاذ بن جبل رضي الله عنه في سنن أبي داود (4611)] مثل تحريم بعض الحلويات في بعض المناسبات، كتحريم الزلابية في رمضان!! وتحريم الطمِّينة (السَّوِيق) في العقيقة!! وتحريم بعض أنواع الزبادي المُلوَّن (الياوُورت)، وتحريم الانخراط في جمعية دينية لأن رئيسَها ليس سلفيا، وقد كان هذا الرئيس هو نفسه مسؤولا على ذلك الأصولي في الجامعة!! فلماذا لم يحرٍّم ذلك المُفتي التدريس والنشاط تحت رئاسة ذلك المسؤول؟ ثم هم أين تعلَّموا؟ إنهم هم وكبارهم في الغلو قد تعلَّموا في جامعات كان يُدرِّس فيها خليط من المدرِّسين من الجماعات الإسلامية، فاسألوهم عن مشايخهم!! أما نحن فالحمد لله فنسير على هدي علمائنا المعتدلين الذين كانوا يتقون الله ما استطاعوا، ولقد قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وقد يتعذّر أو يتعسّر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة إلا بنوع من المحدَث لعدم القائم بالطريق المشروعة عِلمًا وعملا، وإلا بقي الإنسان في الظُلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجلُ وينهى عن نور فيه ظُلمةٍ إلا إذا حصل نور لا ظُلمة فيه، وإلا فَكَمْ ممن عَدَلَ عن ذلك يخرج عن النور بالكلية» اهـ [مجموع الفتاوى (10/364)] وانظر كلاما نفيسا له في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (2/124-133) بتحقيق ناصر عبد الكريم العقل. 

وهناك  يُحرّم على الشباب قراءة كتب ومخالطة بعض المشايخ السُّنيِّين من باب الولاء والبراء، ثم ذلك المحذِّر يتاجر في الكتب مع بعض غلاة التكفير، والذين يَحكمون بالإرجاء على إمام السُّنّة في هذا العصر، الإمام الألباني رحمه الله تعالى؛ وكمن يحذِّر من قناة دينية جزائرية ويسمِّيها قناة إبليس، وهو يكسب قوته في مكان فيه ما فيه، ولا نسمعه يحذِّر من قناة يسُبُّهُ فيها بعض الأصوات بالاسم الصريح، إلى غير ذلك من التناقضات العجيبة المضحكة والمبكية في وقت واحد!! يا شباب، إنِّي أُحذِّركم من هؤلاء الذين يتكلمون في غير تخصُّصهم، لا تأخذوا منهم تلك التحذيرات، ولا تسألوهم فيها، فإن صدرتْ من غير أن يستفزهم أحد، فاتصلوا بالعلماء المعتدلين حتى يُقيِّموا تلك التصريحات العجيبة، فعليكم –على سبيل المثال- بالشيخ عبد المحسن العبّاد، وبالشيخ صالح الفوزان،  وأمثالهما في العالم الإسلامي، وعليكم أن تعرِضوا تلك المسائل على المجامع الفقهية، التي فيها مجموعة كبيرة من العلماء الباحثين، الذين يَدْرسون المسائل دراسة متأنيّة، ثم يتشاورون قبل إصدار القرارات الطيِّبة، مثل المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرّمة،  ومجمع الفقه الإسلامي بجدّة، ومجمع الفقه الإسلامي بالهند، واللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية، وقطاع الإفتاء والبحوث الشرعية بالكويت، وغيرها كثير (انظر كتاب فقه النوازل دراسة تأصيلية تطبيقية، تأليف محمد بن حسين الجبراني).
 

يا شباب، اعلموا أن الغلاة في الجرح والتبديع سيدفعون بكثير منكم –شَعروا أمْ لم يَشعروا- إلى الغلو في التكفير، أو الانتكاس عن الاستقامة والالتزام ، وقد صار بعض أتباعهم يُكفِّرون المسلمين، بل وصل الأمر بأحَد مشايخهم أنه صار يُلمِّح أننِّي قد كفرتُ لأنني بزعمه أخالِف الإجماع!! وهو كاذب في ذلك، لأنه ليس عنده شيء مكتوب بيدي!! بل قال لي: بلغنا أنك تُبيح الربا!! فقلتُ له: هذا كَذِبٌ عَلَيَّ؟ فقال لي: وما يُدريني أنك صادق!! سبحان الله، يُصدِّق الذين يأتونه من هنا وهناك، ولا يعرفهم وإنما يخدعونه ببعض الكلمات وبأشكالهم، ولا يُصَدِّقُني!! وليس عندهم أوراقٌ مكتوبة مني أو صوتيات في تلك المسائل! وإنما طريقهم: بَلَغَنَا، وقيل لَنَا! ووصل الأمر ببعض مشايخهم الغلاة وهو خطيب في مسجده، وهو التاجر في الكتب مع التكفيريين، أن أفتى بِحَرق كتاب علّقت عليه وكتَبه فضيلة الشيخ محمد حاج عيسى الجزائري بعنوان: منهج العلامة الألباني في مسائل التبديع والتعامل مع المخالفين. ثم قام شاب متطرِّف من أتباع أولئك المشايخ الغلاة، قام مؤخَّرًا بحرق كتابي «منزلة النبي  صلى الله عليه وسلم وفضلُه وحقوقه على أمتي». وقد كتبته بتوفيق الله – للدفاع عن نبيِّنا محمد  صلى الله عليه وسلم ردًّا على الذين يستهزؤون به!! فاحذروا الغلوّ يا عباد الله،  اللهم احفظنا منه ومن الجفاء يا رب العالمين.

 

فيا شباب، لا تأخذوا منهم فقه النوازل في تلك المسائل، فمن تناقضاتهم أنهم يُحَذِّرون من كل ما لا يمشي مع بدعتهم، فقد صدر قرص جديد يحمل كلام علماء الأمة في هذا العصر في التحذير من بدعة أولئك الغلاة، فقاموا بالتحذير من ذلك القرص، وقال قائلهم: كلمة حق أريد بها باطل، فنقول: بل كلمة حق أريد بها الحق إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. فتوبوا إلى الله أيها الغلاة قبل فوات الأوان، وإلا فإن سهامكم المسمومة ستعود عليكم، كما عادت على كثير ممن كان يسير بما تسيرون عليه اليوم، فاعتبروا بذلك التلميذ الجارح الذي تكلّم فيه الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله في كتابه (رفقا أهل السنّة بأهل السنّة) فَسَقَط، ونسأل الله له ولكم التوبة والإنابة، وأن يتوب الله علينا جميعا ويحفظنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وإني أنصح إخواني السُّنيِّين المعتدلين أن لا يطلبوا من أولئك الغلاة شيئا من العمل في مدرسة أو قناة أو مسجد حتى يتوبوا من غلوهم بصريح العبارة ، لأنهم غير مأمونين، فيقولون كلاما، ثم ينكرونه، أو يتلاعبون بالألفاظ، فاحذروهم، وحَذِّروا أولادكم وتلامذتكم منهم، لكن يكون مع التحذير إرشاد الشباب إلى من يعلِّمهم ويؤدِّبهم بالعلم النافع، والتربية الحَسَنَة، ويشغلهم بطاعة الله، وليس كما يفعل أولئك الغلاة حيث يحذِّرونهم ويبعدونهم عن العلم وأهل العلم، ثم يتركونهم حيارى، أو يَدْعونَهم إلى مجالس الغيبة والنميمة، والتحريش بين المسلمين.

 

ثم اعلموا يا شباب، أن أولئك الغلاة مُخْتَرَقون من طرف جهات وأناس لا يحبون لكلمة أهل السُّنّة أن تتوحّد، ولا لشباب المسلمين أن يستقيموا، فأين العقول يا أصحاب العقول. واعلموا أن طريق أولئك المتطرِّفين الغلاة هو قناة إبليس، فاحذروا قناة إبليس. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

 


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 كتبه أبو سعيد بلعيد بن أحمد الجزائري
 27  شعبان 1436 هـ/ 15 جوان 2015م

 

شارك هذه الصفحة

Submit احذروا قناة إبليس!! in Delicious Submit احذروا قناة إبليس!! in Digg Submit احذروا قناة إبليس!! in FaceBook Submit احذروا قناة إبليس!! in Google Bookmarks Submit احذروا قناة إبليس!! in Stumbleupon Submit احذروا قناة إبليس!! in Technorati Submit احذروا قناة إبليس!! in Twitter